السيد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني
40
وسيلة الوصول الى حقائق الأصول
فإنّ في مثل : الماء في الكوز مفهوم الماء ملحوظ في الذهن مستقلا ، ومفهوم الكوز أيضا كذلك . ولكن لفظة « في » ليس لها مفهوم مستقلّ في الذهن في عرضهما ، وإلّا لزم أن يكون معنى اسميّا مستقلا بالمفهوميّة ، بل لا وجود له فيه إلّا بوجود منشأ انتزاعه وهو الماء والكوز المتخصّصين بخصوصيّة كون أحدهما ظرفا والآخر مظروفا ، فلفظة « في » تدلّ على تلك الخصوصيّة المتقوّمة بهما ، وليست هذه الخصوصيّة تحت لفظة « في » بحيث تكون تحت كلّ واحد من الألفاظ الثلاثة معنى مستقلا مغايرا لما في تحت الآخر ، بل تلك الخصوصيّة في تحت لفظ الماء والكوز والدالّ على كون تلك الخصوصيّة في تحتهما إنّما هو لفظ « في » فيكون حال الحرف على هذا حال الاعراب ، فكما أنّ الرفع والنصب يدلّان على معنى في تحت مدخولهما وهي الفاعلية والمفعوليّة لا على معنى « في » تحتهما فكذلك الحرف . فعلى هذا يكون الحرف دالا على الدالّ كالاعراب لا أنّه دالّ بنفسه ، وهذا معنى قولهم : إن الحرف يدلّ على معنى في غيره ، والمراد أنّ الحروف كالأعاريب علامات على دلالة متعلقاتها على خصوصيات معيّنة من الابتدائيّة والانتهائيّة والظرفيّة وأمثالها ، كما أنّ الأعاريب علامات على دلالة مدخولها على خصوصيّات متعيّنة من الفاعليّة والمفعوليّة وغيرهما . إن قيل : على هذا يلزم أن تكون الحروف مهملة ولا يكون لها معنى . قلت : إنّه يكفي في خروجها عن الاهمال وكونها دالّة على المعنى وموضوعة له هذا القدر من الدلالة ، وهو كونها دالّة على الدالّ ، وكون معانيها تحت لفظ آخر ومن خصوصيّات مفهوم آخر بحيث لو لم يكن الحرف لما استفيد منه تلك الخصوصيّة . وعلى هذا فتكون الحروف موضوعة لا مهملة ، ويصحّ النزاع في أنّ الموضوع له فيها عامّ أو خاصّ أو المستعمل فيه عامّ أو خاصّ بخلاف ما لو كانت مهملة ، فإنّه لا يصحّ هذا النزاع .